انتقل إلى المحتوى
تماكليت

الحاج نسامو عبدالله … إبرة تحرس هوية غات

الحاج نسامو عبدالله … إبرة تحرس هوية غات

2 دقيقة للقراءة
الزي التقليدي التارقي

في بيته بأحد أزقة حي الثانوية " العمارات" بمدينة غات ، يجلس رجل تجاوز الثمانين من عمره ، تحيط به قطع القماش وادوات الخياطة التي رافقته لعقود طويلة .

إنه الحاج "نسامو عبدالله" ، خياط القندورة والسروايل وملابس الطوارق ، واحد اشهر الاحياء على زمن كانت فيه الإبرة تحكي هوية ، والخياطة لغة انتماء قبل أن تكون حرفة .

الحاج نسامو لم يدخل مدرسة نظامية لتعلم الخياطة ، ولم يحصل على شهادة التدريب رسمي ، بل كانت مدرسته الشارع ، ومعلمه المراقبة والصبر ، في ستينيات القرن الماضي ، كان يذهب إلى أحد الخياطين في المدينة ، يجلس بهدوء ، يراقب حركة اليد ، طريقة القص ، دقة القياس ، ثم يعود محاولًا تقليد مارآه ، يومًا بعد يوم ، تحولت المراقبة إلى مهارة ، والمهارة الى حرفة أتقنها حتى صار اسم معروفًا بين بين اهل غات .

يقول الحاج نسامو بثقة وهدوء :

" الفرق كبير بين خياطتنا وخياطة الآخرين "

ليس المقصود هنا التفاخر ، بل الإشارة إلى مدرسة تقليدية خاصة ، تعتمد على تفاصيل دقيقة في القص والخياطة ، وعلى فهم عميق لشكل القندورة والسروال وخصوصية ملابس أهل غات والطوارق ، من حيث الراحة ، والمتانة ، والجمال في آن واحد.

كان محل الحاج نسامو في الماضي لايهدأ ، خاصة مع اقتراب الأعراس و الأعياد ، ففي تلك المناسبات كان الجميع يحرص على ارتداء الملابس التقليدية ، كرمز للفخر بالهوية والانتماء ، أما اليوم ، فينظر الرجل بحسرة الى واقع تغير كثيرًا.

يقول أن عدد الممارسين لهذه الحرفة أصبح قليلًا جدا ، وان الناس اتجهوا نحو الملابس الجاهزة والغريبة ، ولم يعودوا يرغبون في إرتداء الزي التقليدي كما في السابق .

أدوات الحاج بسيطة لكنها عزيزة : ماكينة الخياطة ، قماش كتان ، خيوط قيطان ، وازرار، أدوات قد تبدو عادية ، لكنها بين يديه تتحول إلى قطع تحمل روح المكان وتاريخ الناس .

ورغم شعوره بأن الجيل الجديد لم يعد مهتمًا كثيرًا بهذه الحرف ، إلا أن الحاج نسامو لا يغلق الباب امام الأمل ، يؤكد انه مستعد لتعليم أي شاب يرغب في تعلم الخياطة التقليدية ، لكنه يرى أن التحدي الأكبر هو غياب الاهتمام والرغبة ، وليس صعوبة التعلم .

قصة الحاج نسامو ليست مجرد حكاية خياط مسن ، بل حكاية تراث مهدد بالاندثار ، ومعرفة تراكمت عبر السنين وتنتظر من يحملها إلى المستقبل ، إنها دعوة صامتة للشباب للاتفات إلى كنوز قريبة منهم ، ربما تلمع كبريق التكنولوجيا ، لكنها تحمل جذور الهوية وملامح الذاكرة الجماعية .

في عيون الحاج نسامو حنين إلى زمن مضى ، وفي يديه حرفة مازالت تنبض بالحياة ، وبين الاثنين تقف مسؤولية جيل كامل : إما يمد يده ليستلم المشعل ، أو يتركه ينطفئ ببطء .

شارك هذا المقال