على ايقاع السوط والإرث القنقا فن يتحدى الاندثار
على ايقاع السوط والإرث القنقا فن يتحدى الاندثار
في بلدية البركت بمدينة غات ، حيث تختلط أصوات الطبول بنداءات الذاكرة ، يقف الشاب احمد المهدي ، ذو التسعة والعشرين عاما ، كأحد الوجوه الشابة التي اختارت أن تحمل مشعل رقصة القنقا وتواصل بها مسيرة طويلة من الفن الشعبي المتوارث عبر الأجيال.
احمد ليس راقصًا عاديا ، بل هو عضو في فرقة البركت للفنون الشعبية ، تلك الفرقة التي تعود جذورها إلى عام 1888 كفرقة أهلية نشأت في منطقة البركت ، قبل أن تعتمد رسميًا سنة 1975 ، ثم تعتمد مرة أخرى سنة 1989 من قبل الإعلام والثقافة في طرابلس ، فرقة لها تاريخ حافل بالمشاركات داخل ليبيا وخارجها ، وكانت أولى مشاركتها سنة 1966 في مدينة سبها خلال احتفالات عيد الاستقلال ، ثم شاركت في مسرح الكشافة بطرابلس سنة 1975 ، اضافة إلى مهرجانات غات السياحي وغدامس وغيرها .
علاقة أحمد بالقنا بدأت منذ الطفولة ، كان يقف متفرجًا على الفرق الشعبية في منطقته ، يراقب الحركات ، يحفظ الإيقاع ، ثم يعيد مارآه في البيت أو مع أصدقائه ، شيئًا فشيئا تحولت المشاهدة إلى ممارسة ، والممارسة الى اتقان ، وبعد التحاقه بالفرقة ، تعلم على يد مدير الفرقة وعدد من اعضائها القدامى ، الذين كانوا بالنسبة له مراجع حقيقية بحكم خبرتهم الطويلة في هذا المجال .
يؤمن احمد ان ما يميز فرقة البركت هو هويتها الواضحة : زي خاص ، ورقصات محددة ، وطريقة اداء تختلف عن باقي الفرق ، حتى وان تشابهت بعض الحركات ، ففي العروض ، تسعى الفرقة دائما لتقديم أداء أقوى وأكثر تميزًا ، في نوع من التحدي الفني الذي يرفع مستوى المنافسة بين الفرق .
رقصة القنقا لا تؤدى عبثًا ، بل لها مواسمها ومناسبتها ، تقدم في الأعراس مقابل مبالغ رمزية ، وفي أشهر معينة مثل شهر محرم خلال احتفالات " سبيباي " إضافة إلى المهرجانات السياحية ، على رأسها مهرجان غات السياحي السنوي ، أما أداتها الأساسية هي السوط المعروف محليًا باسم " الكوض " المصنوع من جلد الحيوانات ، والذي يشكل جزءا أساسيا من روح الرقصة وحركتها .
رغم استمرارية الفرقة ، يعترف أحمد بان هناك تحديات حقيقية تواجه هذا الفن ، أبرزها قلة إقبال الأجيال الجديدة على الانضمام للفرق الشعبية ، اضافة الى قلة المشاركات والفعاليات في بعض الفترات ، ومع ذلك يظل متمسكًا بالأمل ، مؤكدًا أن الفرقة مستمرة إلى أن يأتي جيل جديد يستلم الراية من بعدهم .
أحمد لا يحتفظ بالقنا لنفسه ، بل يفتح الباب أمام كل من لديه الرغبة ولو كانت بنسبة واحد في المئة للانضمام والمشاركة ، بالنسبة له الحفاظ على التراث يبدأ من منح الفرصة ، ومن تشجيع الشباب على الاقتراب من ثقافتهم المحلية .
في رسالته للشباب يقول :
" قبل أن تنسى الموروث الثقافي ، ارجع الى جدك وانظر الى العادات والتقاليد التي مازال محافظًا عليها "
قصة احمد المهدي مع رقصة القنقا هي قصة شاب اختار أن يكون حلقة وصل بين الماضي والحاضر ، وان يجعل من جسده وإيقاعه لغة تحكي تأريخًا طويلا ، وتؤكد أن الفنون الشعبية مازالت قادرة على التنفس …مادام هناك من يؤمن بها .