انتقل إلى المحتوى

عمر المهدي خمس وستون عامًا من صناعة الفضة

عمر المهدي خمس وستون عامًا من صناعة الفضة

2 دقيقة للقراءة
فضة


داخل مصنع الحدادة في حي كالالة بمدينة غات ، تتكدس قطع الفضة والنحاس ، وتتعانق رائحة النار مع صوت الطرق على المعدن ، في مشهد يلخص حياة كاملة قضاها الحاج عمر المهدي الحداد بين الكور والمطرقة والإزميل ، رجل تجاوز التاسعة والسبعين من عمره ، لكنه مازال يبدأ يومه بنفس العزيمة التي بدأ بها قبل عقود طويلة .

عمر المهدي ينتمي إلى عائلة عرفت في غات منذ زمن بعيد بصناعة السيوف والسكاكين ومنتجات الفضة ، الحرفة في نظره ليست مجرد مهنة ، بل إرث عائلي توارثه عن والده وعمه وإخوته ، منذ صغره كان قريبا من النار والمعدن ، يراقب ويقلد ويتعلم ، حتى أصبحت يده تعرف طريقها وحدها إلى تشكيل الخاتم أو السكين او الخنجر.

اليوم يصنع عمر المهدي الفضة والنحاس ، وينجز خواتم نسائية ، وسيوفًا وخناجر ، وكلها تنفذ يدويًا دون آلات حديثة ، ويؤكد ان ما يميز صناعة غات هو اعتمادها الكامل على العمل اليدوي ، بعكس بعض المدن الكبرى التي تستخدم القوالب الجاهزة والآلات ، حتى على الخواتم يتم بالإزميل واليد ، ويستغرق من عشر إلى خمس عشرة دقيقة للخاتم الواحد .

ورغم ان الطلب على منتجات الفضة مازال موجودًا ، إلا أن عدد من يمارسون هذه الحرفة في غات اصبح قليلًا جدأ ، ويقول عمر المهدي ان عائلتهم تكاد تكون الوحيدة التي مازالت تعمل في هذا المجال ، بعد وفاة ثلاثة أو اربعة من كبار السن الذين يحملون أسرار المهنة ستندثر ، الشباب تركوها بعضهم تعلم واتجه للعمل في مؤسسات الدولة او في الشرطة او الجيش ، وترك الحرفة الأصلية.

ومع ذلك لا يلق عمر المهدي باب الأمل ، فقد درب سابقًا مجموعة على النقش على الفضة ، وقريبا ستبدأ مجموعة من الفتيات في تعلم أساسيات الحرفة ، ويؤكد ان لم يمنع يومًا اي شخص لديه الرغبة في تعلم هذه الحرفة .

يصف عمر المهدي الحرفة بأنها حياته اليومية ، بعد صلاة الفجر والإفطار ، يفتتح المصنع عند الساعة التاسعة صباحًا ويباشر عمله ، تأتيه طلبيات متعددة : ضباط يطالبون عصي الشرف ، نساء يبحثن عن خواتم فضة ، عرسان يحتاجون سكاكين للذبح ، وآخرون يطلبون خناجر زينة خاصة بالعروس ، كلها تشكل مصدر رزقه ومعيشة إضافي باعتباره متقاعد .

عند حديثه عن مستقبل الحرفة ، تبدو نبرة القلق واضحة ، فهو يرى أن غياب الشباب في تعلمها يعني أنها ستندثر مع مرور الوقت ، ويؤكد ان الحفاظ عليها يحتاج إلى دعم حقيقي سواء من مؤسسات المجتمع المدني أو من الدولة ، خاصة في توفير المواد الخام .

يقترح عمر المهدي تخصيص حصص أسبوعية في المدارس لتعليم أساسيات الحرفة ، ويؤكد استعداده لتدريب الطلبة بنفسه ، ويرى أن بعض المنتجات البسيطة مثل فراقة الشعر المصنوعة من النحاس او الفضة ، يمكن ان توفر دخلا سريعا للشباب وتشجعهم على الاستمرار.

ورغم وجود حدادين وافدين من النيجر الا أن الأهالي حسب قوله يفضلون الصناعة المحلية لما يعرفونه من فرق في الجودة والدقة .

رسالته للشباب صريحة : لا تضيعوا وقتكم في التجول بلا هدف ، تعلموا حرفة تحبونها ، فالبلاد لا يخدمها إلا أهلها ، لا تنتظروا من يأتي ليبنيها بدلًا عنكم ، انتم من سيصنع مستقبلها بأيديكم.

قصة عمر المهدي هي قصة رجل عاش أكثر من ستة عقود وهو يشكل المعدن ، وفي الوقت نفسه يشكل ذاكرة مدينة بأكملها ، محاولًا أن تبقى نار الحرفة مشتعلة ، و الا ينطفئ بريق الفضة في غات .

شارك هذا المقال