انتقل إلى المحتوى
تماكليت

مريم تصنع السعفيات بروح عصرية

مريم تصنع السعفيات بروح عصرية

2 دقيقة للقراءة
سعفيات

بين أصابع تمسك السعف بحنان ، وعينين تراقبان تفاصيل التطريز بدقة ، تمضي مريم محمد العافية في تشكيل عالمها الحرفي الخاص داخل مدينة غات ، في السادسة والثلاثين من عمرها ، اختارت أن تسلك طريق الصناعات التقليدية ، لا بوصفها هواية عابرة ، بل كرسالة للحفاظ على حرفة بدأت تتراجع امام زحف المنتجات الحديثة ، لكنها مازالت قادرة على الحياة متى وجدت من يؤمن بها .

مريم تعمل في مجال السعفيات ، وتصنع منتجات متعددة من شجر النخيل ، مثل المراوح والقفف المطرزة وغيرها من الأدوات التقليدية التي ارتبطت بالحياة اليومية في غات ، لكنها لا تكتفي بالشكل التقليدي للمنتج ، بل تمزج بين السعف والخياطة والتطريز اليدوي ، لتخرج بقطع تحمل روح الماضي ولمسة الحاضر في آن واحد .

رحلة مريم مع الحرف بدأت مبكرًا ، تعلمت الخياطة والتطريز من جدتها رحمها الله ، التي كانت خياطة ماهرة سواء باستخدام الة الخياطة او بالطريقة اليدوية ، اما السعفيات فقد أخذت اسرارها من الحاجة امينة المولود ، صاحبة الخبرة الواسعة في هذا المجال ، ومع مرور الوقت وجدت مريم نفسها امام فكرتين متوازيتين : الحفاظ على الحرفة وتطويرها في الوقت نفسه ، فقررت دمج ما تعلمته من جدتها مع ما أخذتها من الحاجة امينة ، لتصنع أسلوبها الخاص .

تدرك مريم ان خياطة السعف مازالت موجودة في غات ، لكنها محصورة غالبًا في أيدي نساء كبيرات في السن ، بينما تغيب عنها الأجيال الجديدة ، باستثناء بعض العائلات المعروفة تاريخيًا بهذه الحرفة ، وتقول ان عدد المشتغلين بالسعفيات اليوم قليل جدا ، وقد لا يتجاوز شخص او إثنين في بعض المناطق .

بالنسبة لها العمل في السعفيات مرتبط بالطبيعة ومواسمها ، فجريد النخيل يجمع عادة في فصل الصيف ليتم تجفيفه ، بينما يفضل تنفيذ اعمال الخياطة في فصل الشتاء ، كما أن هناك ضوابط تحكم عملية اخذ الجريد ، فحين تثمر شجرة النخيل لا ينصح بأخذ شيء منها ، وبعض الأشجار أصلا غير صالحة لحرفة السعفيات .

اكبر قناعة وصلت إليها مريم هي أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده في شكله القديم فقط ، بل تطويره ليصبح مقبولًا لدى الجيل الجديد تقول :

" لو بقينا نصنع نفس المنتج القديم بنفس الشكل فلن يتقبله الشباب ، لكن عندما نضيف له لمسات جديدة في التصميم والتطريز يصبح أقرب لهم ".

لهذا السبب تحاول باستمرار إدخال أفكار عصرية على منتجات السعف ، لتجعلها صالحة للاستخدام اليومية والزينة والهدايا ، وفي الوقت نفسه تحافظ على روحها التقليدية.

وترى مريم ان نقل هذه الحرفة للشباب يحتاج إلى أمرين اساسيين: التطوير والتدريب ، فلابد من استقطاب الفئات المهتمة ، تنظيم تدريبات مستمرة ، خاصة لمن لديهم رغبة في فتح مشاريع صغيرة في مجال السعفيات .

لكن التحدي الأكبر ، من وجهة نظرها ، لا يكمن فقط في عزوف الشباب ، بل في خطر يهدد المادة الخام نفسها : شجرة النخيل ، غات التي كانت معروفة بكثرة نخيلها ، تشهد في السنوات الاخيرة حرقا للأشجار ، ونقصًا في المياه ، وتراجعا في الاهتمام بالزراعة ، وتشير إلى بعض المناطق مثل فيوت ، وبدرجة أقل البركت ، مازالت تحافظ على زراعة النخيل ، بينما تراجع الاهتمام في بقية المناطق ، وتحذر من أنه إذا استمر هذا الوضع ، فستضطر النساء مستقبلا لشراء الجريد من مدن أخرى مثل أوباري وسبها وتراغن ومرزق ، ما يعني إختفاء " السعف الذاتي " تدريجيًا.

رسالة مريم للشباب واضحة وصادقة :

لا تتركوا حرفكم ولا تراثكم ، فهي هويتكم واسمكم في المكان ، كل مدينة في ليبيا معروفة بحرفة معينة ، وغات معروفة بتنوع حرفها وتميز تفاصيل تراثها ، الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية مشتركة تبدأ بالبحث عن المعرفة من كبار السن ، وتوثيقها ثم توريثها للأجيال القادمة بأسلوب يحفظ الجوهر ويواكب العصر .

قصة مريم محمد العافية هي قصة امرأة آمنت بأن النخيل ليس مجرد شجرة وان السعف ليس مجرد مادة ، بل ذاكرة وهوية ومستقبل…إذا وجد من يتمسك به .

شارك هذا المقال